‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الرد على شبهة حول تناقض النقل - القرآن - مع العقل:

الأربعاء، 16 دجنبر 2009

بسم الله الرحمن الرحيم

المختصر في الرد على شبهة حول تناقض النقل - القرآن - مع العقل:

الحمد لله والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين

وبعد :

فإن قصة الصراع بين الحق والباطل، والخير والشر، قصة قديمة بدأت فصولها مع بداية وجود الإنسان على الأرض، وسوف تتواصل فصولها طالما كان هناك إنسان فى هذا الوجود.

وعندما ظهر الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان، لم يتوقف سيل الشبهات التى يثيرها المشككون من خصوم هذا الدين تشكيكا فى مصادره، أو فى نبيه، أو فى مبادئه وتعاليمه. ولا تزال الشبهات القديمة تظهر حتى اليوم فى أثواب جديدة يحاول مروجوها أن يضيفوا عليها طابعا علميا زائفا.

ومن المفارقات الغريبة في هذا الصدد أن يكون الإسلام - وهو الدين الذى ختم الله به الرسالات ، وكان آخر حلقة فى سلسلة اتصال السماء بالأرض - قد اختص من بين كل الديانات التى عرفها الإنسان سماوية كانت أم أرضية بأكبر قدر من الهجوم وإثارة الشبهات حوله.

ووجه الغرابة فى ذلك يتمثل؛ فى أن الإسلام فى الوقت الذى جاء فيه يعلن للناس الكلمة الأخيرة لدين الله على أنه لم ينكر أيا من أنبياء الله السابقين ولا ما أنزل عليهم من كتب سماوية ، ولم يجبر أحداً من أتباع الديانات السماوية السابقة على اعتناق الإسلام . ولم يقتصر الأمر على عدم الإنكار ، وإنما جعل الإسلام الإيمان بأنبياء الله جميعا وما أنزل عليهم من كتب عنصرا أساسيا من عقيدة كل مسلم بحيث لا تصح هذه العقيدة بدونه.

ومن شأن هذا الموقف المتسامح للإسلام إزاء الديانات السابقة أن يقابل بتسامح مماثل وأن يقلل من عدد المناهضين للإسلام.

ولكن الذى حدث كان على العكس من ذلك تماما. فقد وجدنا الإسلام - على مدى تاريخه - يتعرض لحملات ضاربة من كل اتجاه . وليس هناك فى عالم اليوم دين من الأديان يتعرض لمثل ما يتعرض له الإسلام فى الإعلام الدولى من ظلم فادح وإفتراءات كاذبة.

وهذا يبين لنا أن هناك جهلا واضحا بالإسلام، وسوء فهم لتعاليمه سواء كان ذلك بوعي أو بغير وعي ، وأن هناك خلطا واضحا بين الإسلام كدين وبعض التصرفات الحمقاء التي تصدر من بعض أبناء المسلمين باسم الدين وهو منها براء.

ومواجهة ذلك تكون ببذل جهود علمية مضاعفة من أجل توضيح الصورة الحقيقة للإسلام ، ونشر ذلك على أوسع نطاق.

ولم يقتصر علماء المسلمين على مدى تاريخ الإسلام فى القيام بواجبهم فى الرد على هذه الشبهات؛ كل بطريقته الخاصة وبأسلوبه الذى يعتقد أنه السبيل الأقوم للرد ، وهناك محاولات جادة بذلت فى الفترة الأخيرة للدفاع عن الإسلام فى مواجهة حملات التشكيك.

وآمل أن يسهم هذا البحث فى توضيح الصورة الحقيقة للإسلام، وإزالة ما علق بالأذهان من سوء فهم لتعاليمه وعقائده.

والله من وراء القصد....

الشبهة والرد عليها :

هناك مَنْ يقيمون التناقض بين " العقل " و " النقل " ، ويدَّعون أن الثقافة الإسلامية نقلية لا عقلية ، ويعتقدون أن جميع علماء الأمة بدون استثناء غير مؤهلين ، لأنهم اعتمدوا على النقل وليس التفكير.. وأنه يجب التفكير فى كل أمور الدين ، الأصل قبل الفرع.. وإلغاء كل الأساسيات الموجودة التى تعتبرها الأمة من المسلمات ، والبحث من جديد عن الحقيقة ، معتمدين على العقل فقط.. (انتهى).

الرد على الشبهة:

إن القول بالاعتماد على العقل فقط - أى دون النقل ، الذى هو الوحى الإلهى ، فى بلاغه القرآنى وبيانه النبوى -.. واستخدام العقل وحده أداة لإعادة النظر فى كل ما تعتبره الأمة من المسلمات.. هو قول يحتاج إلى ضبط.. وإلى تصويب.. ويمكن أن يتم ذلك من خلال إشارات إلى عدد من الحقائق:

أولاها: أن مقام العقل فى الإسلام هو مكان عال وفريد ، ولا نظير له فى الشرائع السابقة على الشريعة الإسلامية الخاتمة.. فالعقل فى الإسلام هو مناط التكليف بكل فرائض وأحكام الإسلام.. أى شرط التدين بدين الإسلام.

وثانيتها: أن النقل الإسلامى-وخاصة معجزته القرآنية-هو معجزة عقلية ، قد ارتضت العقل حكمًا فى فهمها وفى التصديق بها ، وفى التمييز بين المحكم والمتشابه فى آياتها ، وأيضًا فى تفسير هذه الآيات.. فليس للقرآن كهنوت يحتكر تفسيره ، وإنما هو ثمرة لنظر عقول العلماء المفسرين.. وعلى حين كانت معجزات الرسالات السابقة معجزات مادية ، تدهش العقول ، فتشلها عن التفكير والتعقل ، جاءت معجزة الإسلام - القرآن الكريم - معجزة عقلية ، تستنفر العقل كى يتعقل ويتفكر ويتدبر ، وتحتكم إليه باعتباره القاضى فى تفسير آياتها.. فكان النقل الإسلامى سبيلاً لتنمية العقلانية الإسلامية.. وكان هذا التطور فى طبيعة المعجزة متناسبًا ومتسقًا مع مرحلة النضج التى بلغتها الإنسانية ، ومع ختم السماء سلسلة الرسالات والوحى إلى الأنبياء والرسل وأمم الرسالات..

وثالثتها: أن العقل - فى الإسلام - هو سبيل الإيمان بوجود الله ووحدانيته وصفاته.. لأن الإيمان بالله سابق على التصديق بالرسول وبالكتاب الذى جاء به الرسول ، لأنه شرط لهما ، ومقدم عليهما ، فالتصديق بالكتاب - النقل - متوقف على صدق الرسول الذى أتى به ، والتصديق بالرسول متوقف على وجود الإله الذى أرسل هذا الرسول وأوحى إليه.. والعقل هو سبيل الإيمان بوجود الله - سبحانه وتعالى - وذلك عن طريق تأمل وتدبر بديع نظام وانتظام المصنوعات الشاهدة على وجود الصانع المبدع لنظام وانتظام هذه المصنوعات.. فالعقل - فى الإسلام - هو أداة الإيمان بجوهر الدين - الألوهية - وبعبارة الإمام محمد عبده: ".. فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلى ، والنظر عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح ، فقد أقامك منه على سبيل الحُجة ، وقاضاك إلى العقل ، ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى سلطته.. " (1).

وذلك على حين كان العقل غريبًا ومستبعدًا من سبل الإيمان فى حقب الرسالات السابقة على الإسلام.. حقب المعجزات المدهشة للعقول ، عندما كانت الإنسانية فى مراحل الطفولة " خرافًا ضالة " ، تؤمن بما يُلقى إلى قلبها ، دون إعمال عقل ، لأن الإيمان لا يحتاج إلى إعمال عقل.. وفق عبارة القديس والفيلسوف النصرانى " أنسيلم " [1033-1109م].

ورابعتها: أن المقابلة بين " العقل " و " النقل " هى أثر من آثار الثنائيات المتناقضة التى تميزت بها المسيرة الفكرية للحضارة الغربية ، تلك التى عرفت لاهُوتًا كنسيًا - نقلاً - لا عقلانيًا ، فجاءت عقلانيتها ، فى عصر النهضة والتنوير الوضعى العلمانى ، ثورة على النقل اللاعقلانى ونقضًا له.. أما فى الإسلام ، والمسيرة الفكرية لحضارته وأمته - وخاصة فى عصر الازدهار والإبداع - فإن النقل لم يكن أبدًا مقابلاً للعقل ، لأن المقابل للعقل هو الجنون ، وليس النقل.. ولأن النقل الإسلامى - القرآن الكريم - هو مصدر العقلانية المؤمنة ، والباعث عليها ، والداعى لاستخدام العقل والتفكر والتدبر فى آيات الله المنظورة والمسطورة جميعًا.. وآيات القرآن التى تحض على العقل والتعقل تبلغ تسعًا وأربعين آية.. والآيات التى تتحدث عن " اللُّب " - بمعنى عقل وجوهر الإنسان - هى ست عشرة آية. كما يتحدث القرآن عن " النُّهى " - بمعنى العقل - فى آيتين.. وعن الفكر والتفكر فى ثمانية عشر موضعًا.. وعن الفقه والتفقه - بمعنى العقل والتعقل - فى عشرين موضعًا.. وعن " التدبر " فى أربع آيات.. وعن " الاعتبار " فى سبع آيات.. وعن " الحكمة " فى تسع عشرة آية.. وعن " القلب " كأداة للفقه والعقل - فى مائة واثنين وثلاثين موضعًا.. ناهيك عن آيات العلم والتعلم والعلماء التى تبلغ فى القرآن أكثر من ثمانمائة آية.. فالنقل الإسلامى - أى الشرع الإلهى - هو الداعى للتعقل والتدبر والتفقه والتعلّم.. والعقل الإنسانى هو أداة فقه الشرع ، وشرط ومناط التدين بهذا الشرع الإلهى.. ولذلك لا أثر للشرع بدون العقل ، كما أنه لا غنى للعقل عن الشرع ، وخاصة فيما لا يستقل العقل بإدراكه من أمور الغيب وأحكام الدين.

ذلك أن العقل ، مهما بلغ من العظمة والتألق فى الحكمة والإبداع ، هو ملكة من ملكات الإنسان ، وكل ملكات الإنسان - بالخبرة التاريخية والمعاصرة - هى نسبة الإدراك والقدرات ، تجهل اليوم ما تعلمه غدًا ، وما يقصر عنه عقل الواحد يبلغه عقل الآخر.. وإذا كانت ميادين عالم الشهادة - النفس والكون.. أى الدنيا.. مفتوحة على مصاريعها أمام العقل وأمام التجربة - بالنسبة للإنسان - فإن هناك ميادين - وخاصة فى معارف عالم الغيب - سبيل معرفتها النقل - أى الوحى - والوجدان - القلب والإلهام - فالهدايات التى يهتدى بها الإنسان هى " العقل " و " النقل " و " التجربة " و " الوجدان ".. وليست العقل وحده دون سواه.. وبتنوع الهدايات وسبل المعرفة الإنسانية ، مع تنوع مصادر المعرفة الإنسانية - الوحى وآيات الله المسطورة ، مع الكون وآيات الله المنظورة - تتكامل وتتوازن المعرفة الإنسانية - وهذه هى نظرية المعرفة الإسلامية - بينما يختل توازن هذه المعرفة إذا هى وقفت - فى المصادر - عند الكون وعالم الشهادة وحده - وفى الوسائل وإدراك المعرفة عند العقل وحده ، أو العقل والتجربة وحدهما ، دون النقل والوجدان.. ولقد عبر عن هذا التكامل والتوازن فى - نظرية المعرفة الإسلامية الإمام محمد عبده عندما تحدث - فى تفسيره لآية (اهدنا الصراط المستقيم)- من سورة الفاتحة - عن " الهدايات الأربع " - العقل ، والنقل ، والتجربة ، والوجدان كما عبر عن التلازم الضرورى بين العقل والنقل ، لتكامل المعرفة الإسلامية عندما قال: ".. فالعقل هو ينبوع اليقين فى الإيمان بالله ، وعلمه وقدرته ، والتصديق بالرسالة.. أما النقل ، فهو الينبوع فيما بعد ذلك من علم الغيب ، كأحوال الآخرة والعبادات.. والقرآن - وهو المعجز الخارق - دعا الإسلامُ الناس إلى النظر فيه بعقولهم.. فهو معجزة عُرضت على العقل ، وعرفته القاضى فيها ، وأطلقت له حق النظر فى أنحائها ، ونشر ما انطوى فى أثنائها.. وإذا قدّرنا عقل البشر قدره ، وجدنا غاية ما ينتهى إليه كماله إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض بعض الكائنات التى تقع تحت الإدراك الإنسانى.. أما الوصول إلى كنه حقيقته فمما لا تبلغه قوته.. ومن أحوال الحياة الأخرى ما لا يمكن لعقل بشرى أن يصل إليه وحده.. لهذا كان العقل محتاجًا إلى مُعين يستعين به فى وسائل السعادة فى الدنيا والآخرة.. " (2).

فالإسلام لا يعرف - على الإطلاق - هذه الثنائية المتناقضة بين العقل والنقل.. وصريح المعقول لا يمكن أن يتعارض مع صحيح المنقول.. ولقد عبر الإمام محمد عبده عن ما قد يتوهمه البعض تعارضًا عندما صاغ حقيقة هذه القضية فقال: " لقد تقرر بين المسلمين أن الدين إن جاء بشىء قد يعلو على الفهم ، فلا يمكن أن يأتى بما يستحيل عند العقل.. " (3).. ففارق بين ما يعلو على إدراك العقل ، من بعض أمور الدين ، وبين ما يستحيل فى العقل الذى برئ ويبرأ منه الدين.

ومن بين علماء الإسلام الذين عبروا - بصدق وعبقرية - عن تكامل العقل والنقل - الحكمة والشريعة - حُجة الإسلام - أبو حامد الغزالى عندما قال: " إن أهل السنة قد تحققوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحق المعقول ، وعرفوا أن من ظن وجوب الجمود على التقليد واتباع الظواهر ، ما أُتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر. وأن من تغلغل فى تصرف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع ، ما أُتوا به إلا من خبث الضمائر. فميل أولئك إلى التفريط ، وميل هؤلاء إلى الإفراط ، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط.. فمثال العقل: البصر السليم عن الآفات والآذاء ، ومثال القرآن: الشمس المنتشرة الضياء ، فأخْلِق أن يكون طالب الاهتداء المستغنى إذا استغنى بأحدهما عن الآخر فى غمار الأغبياء ، فلا فرق بينه وبين العميان. فالعقل مع الشرع نور على نور.. " (4).

وهذه العلاقة بين العقل والنقل - علاقة التكامل والتآخى - هى التى أكد عليها أبو الوليد ابن رشد [520-654هجرية/1126-1198م] عندما قال: ".. فإنا - معشر المسلمين - نعلم على القطع ، أنه لا يؤدى النظر البرهانى إلى مخالفة ما ورد به الشرع ، فإن الحق لا يضاد الحق ، بل يوافقه ويشهد له.. فالحكمة هى صاحبة الشريعة ، والأخت الرضيعة.. وهما المصطحبتان بالطبع ، المتحابتان بالجوهر والغريزة.. " (5).

فالباب مفتوح على مصراعيه أمام العقل فى سائر ميادين عالم الشهادة. وهو سبيل الفقه والفهم والتكليف فى الشرع والدين.. لكن لابد من مؤازرة الشرع والنقل للعقل فيما لا يستقل العقل بإدراكه من أخبار عالم الغيب والحكم والعلل من وراء بعض أحكام العبادات فى الدين.. وما قد يبدو من تعارض - عند البعض - أحيانًا بين العقل والنقل ، فهو تعارض بين العقل وبين " ظاهر " النقل وليس حقيقة معنى النقل أو مرجعه إلى تخلف " صحة " النقل.. أو تخلف " صراحة " العقل.. أو وجود ما يعلو على الفهم ، لا ما يتعارض مع العقل.. فالعقل مع الشرع - كما قال حُجة الإسلام الغزالى - " نور على نور ".. وما الحديث عن التعارض بينهما إلا أثر من آثار الغلو فى أحدهما ، تفريطًا أو إفراطًا.

وإذا كانت البداهة والخبرة البشرية - وحتى الحكمة الفلسفية - تقول: إن من مبادئ الدين والشرائع ما لا يستقل العقل بإدراك كنهه وحقيقة جوهره ، فكيف يجوز لعاقل أن يدعو إلى تحكيم العقل وحده فى كل أساسيات الدين ؟! لقد قال الفيلسوف الفقيه أبو الوليد ابن رشد وهو الذى احترم عقلانيته المتألقة الأوروبيون والمسلمون جميعًا. قال عن رأى الفلاسفة القدماء فى مبادئ الشرائع التى لا يستقل العقل بإدراكها: " إن الحكماء من الفلاسفة ليس يجوز عندهم التكلم ولا الجدل فى مبادئ الشرائع مثل: هل الله تعالى موجود ؟ وهل السعادة موجودة ؟ وهل الفضائل موجودة ؟. وفاعل ذلك عندهم محتاج إلى الأدب الشديد ، ولذلك وجب قتل الزنادقة.. فيجب على كل إنسان أن يسلم بمبادئ الشرائع ، لأن مبادئها أمور إلهية تفوق العقول الإنسانية ، وكيفية وجودها هو أمر معجز عن إدراك العقول الإنسانية ، فلابد أن يعترف بها مع جهل أسبابها.. " (6).

فليس هناك عاقل يحكِّم العقل فيما لا يستقل العقل بإدراكه من مبادئ الشرائع والمعجزات ، وكنه وجوهر وحقائق المغيبات.

وليس هناك عاقل يغفل أو يتغافل عن مكانة ودور العقل فى دين الإسلام.

وإدراك وظيفة العقل॥ وميدان عمله.. وحدود قدراته ، هو لب الاحترام للعقل ، وليس فيه انتقاص من سلطانه ، الذى تألق فى دين الإسلام وفكر المسلمين।


تحرير ونشر: إبراهيم بن عبد الله إهدى

__________

(1) [ الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ] ج3 ص 301.

(2) المصدر السابق ج3 ص 325 ، 379 ، 397.

(3) [ الأعمال الكاملة ] ج3 ص 257.

(4) [ الاقتصاد فى الاعتقاد ] ص 2، 3. طبعة القاهرة. مكتبة صبيح بدون تاريخ.

(5) [ فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال ] ص 31، 32، 67. دراسة وتحقيق د. محمد عمارة. طبعة دار المعارف. القاهرة سنة 1999م.

(6) [ تهافت التهافت ] ص121 ، 122 ، 125 ، طبعة القاهرة سنة 1903م.

وينظر كتاب مهم جدا في الباب وهو : درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول لتقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية تحقيق: عبد اللطيف عبد الرحمن دار الكتب العلمية - بيروت - 1417هـ - 1997م.

...تابع القراءة

خير أيام الدنيا ماذا يشرع فيها ؟ (العشر من ذي الحجة).

الثلاثاء، 17 نونبر 2009

بسم الله الرحمن الرحيم 
خير أيام الدنيا ماذا يشرع فيها ؟
 
مقدمة: 

 من رحمة الله (تبارك وتعالى) أن فاضل بين الأزمنة، فاصطفى واجتبى منها ما شاءبحكمته، قال (عز وجل): ((وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَاكَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ..)) [القصص: 68] وذلك التفضيل من فضله وإحسانه؛ليكون عوناً للمسلم على تجديد النشاط، وزيادة الأجر، والقرب من الله(تعالى). ونظرة في واقع الكثير تنبئك عن جهل كبير بفضائل الأوقات، ومن أكبر الأدلة على ذلك: الغفلة عن اغتنامها، مما يؤدي إلى الحرمان من الأجر.
والأمرالذي يحتاج إلى وقفة تأمل: التباين الكبير بين كون عشر ذي الحجة أفضل أيام الدنيا، والعمل الصالح فيها أحب إلى الله من العمل فيما سواها، وبين واقع الناس وحالهم في تلك العشر، فالكثير لا يحرك ساكناً، والأكثر لم يقم الأمرعنده ولم يقعد، ومن مظاهر ذلك مثلاً هجر سُنّة التكبير المطلق وهي منشعائر تلك الأيام. 
وعلى الرغم من أن هذه الأيام أعظم من أيام رمضان، والعمل فيها أفضل، إلا أنه لايحصل فيها ولو شيء مما يحصل في رمضان؛ من النشاط في عمل الآخرة، ولا غرو،فالفارق بين الزمنين واضح، فقد اختص رمضان بما لم تختص به العشر، ومن ذلك: 
وقوع فريضة الصوم فيه، وهي (فريضة العام) على كل مسلم، مع ما يكون فيها منتربية للمسلم، وزيادة لإيمانه، بخلاف الحج فهو فريضة العمر.
ارتباط رمضان بنزول القرآن فيه مما جعله شهر القرآن، وذلك له أثر كبير في إقبال الناس فيه على كتاب الله الكريم.
الترغيب الخاص بقيام لياليه، وهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في قيام العشر، وتحري ليلة القدر.
وهذه الأمور الثلاثة جعلت لرمضان جوّاً خاصًّا متميزاً تنقلب حياة النّاس فيه، وتتغير أيًّا كان نوع ذلك التغير. مايحصل في رمضان من تصفيد الشياطين، وفتح أبواب الجنة، وإغلاق أبوابالنيران، مما يكون له أعظم الأثر في انبعاث الناس للعبادة وحماسهم لها.فيكون ذلك حافزاً للعلماء والدعاة والأئمة والخطباء ليخاطبوا قلوب الناس،ما دامت مقبلة على الخير.
كل ذلك وغيره يجعل هذه العشر ابتلاءً وامتحاناً للناس، فلا يحصل فيها منالمعونة على الخير كما يحصل في رمضان، والموفق من وفقه الله، فشمر وجد واجتهد.

فضل عشر ذي الحجة:
قد دل على فضلها أمور (1): 
 
الأول: قال (تعالى): ((وَالْفَجْر وَلَيَالٍ عَشْرٍ)) [الفجر: 1، 2] قال غيرواحد: إنها عشر ذي الحجة، وهو الصحيح(2). ولم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء في تعيينها. 

الثاني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- شهد أنها أعظم أيام الدنيا، وجاء ذلك في أحاديث كثيرة منها: قوله (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منهذه الأيام العشر، فقالوا: يارسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)(3). وقوله: (ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه من العمل فيهن، من هذه العشر،فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد)(4)، والمراد في الحديثين: (أن كل يوم من أيام العشر أفضل من غيره من أيام السنة، سواء أكان يوم الجمعة أم لا، ويوم الجمعة فيه أفضل من الجمعة في غيره؛ لاجتماع الفضلين فيه)(5).

الثالث: أنه حث على العمل الصالح فيها، وأمر بكثرة التهليل والتكبير.

الرابع: أن فيها يوم عرفة ويوم النحر. 
 
الخامس: أنها مكان لاجتماع أمهات العبادة فيها، وهي: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها(6).

أنواع العمل الصالح في أيام العشر:
وحيث ثبتت فضيلة الزمان ثبتت فضيلة العمل فيه، وأيضاً فقد جاء النص على محبة الله للعمل في العشر، فيكون أفضل، فتثبت فضيلة العمل من وجهين. 

وأنواع العمل فيها ما يلي: 

الأول: التوبة النصوح:
وهي الرجوع إلى الله (تعالى)، مما يكرهه ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه ظاهراًوباطناً، ندماً على ما مضى، وتركاً في الحال، وعزماً على ألا يعود. ومايتاب منه يشمل: ترك الواجبات، وفعل المحرمات. وهي واجبة على المسلم حين يقع في معصية، في أي وقت كان؛ لأنه لا يدري في أي لحظة يموت، ثم إن السيئات يجر بعضها بعضاً، والمعاصي تكون غليظة ويزداد عقابها بقدر فضيلة الزمان والمكان؛ قال (تعالى): ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا تُوبُواإلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً)) [التحريم: 8]، وقد ذكر ابن القيم (رحمهالله تعالى): أن النّصْح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء: استغراق جميع الذنوب، و إجماع العزم والصدق، و تخليصها من الشوائب والعلل، وهي أكمل ما يكون من التوبة(7).

الثاني: أداء الحج والعمرة:
وهماواقعان في العشر، باعتبار وقوع معظم مناسك الحج فيها، ولقد رغب النبي -صلىالله عليه وسلم- في هاتين العبادتين العظيمتين، وحث عليهما؛ لأن في ذلك تطهيراً للنفس من آثار الذنوب ودنس المعاصي، ليصبح أهلاً لكرامة الله(تعالى) في الآخرة.

الثالث: المحافظة على الواجبات: 
والمقصود: أداؤها في أوقاتها وإحسانها بإتمامها على الصفة الشرعية الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ومراعاة سننها وآدابها. وهي أول ما ينشغل بهالعبد في حياته كلها؛ روى البخاري عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله قال: من عادى لي وليّاً فقدآذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ومايزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمعبه، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته)(8). 
قال الحافظ: (وفي الإتيان بالفرائض على الوجه المأمور به: امتثال الأمر،واحترام الآمر، وتعظيمه بالانقياد إليه، وإظهار عظمة الربوبية، وذلالعبودية، فكان التقرب بذلك أعظم العمل)(9). والمحافظة على الواجبات صفةمن الصفات التي امتدح الله بها عباده المؤمنين، قال (عز وجل):((وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ)) [المعارج: 34]،وتتأكد هذه المحافظة في هذه الأيام، لمحبة الله للعمل فيها، ومضاعفة الأجر.

الرابع: الإكثار من الأعمال الصالحة:
إن العمل الصالح محبوب لله (تعالى) في كل زمان ومكان، ويتأكد في هذه الأيامالمباركة، وهذا يعني فضل العمل فيها، وعظم ثوابه، فمن لم يمكنه الحج فعليهأن يعمر وقته في هذه العشر بطاعة الله (تعالى)، من: الصلاة، وقراءةالقرآن، والذكر، والدعاء، والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والأمربالمعروف والنهي عن المنكر.. وغير ذلك من طرق الخير، وهذا من أعظم الأسبابلجلب محبة الله (تعالى).

الخامس: الذكر: 
وله مزية على غيره من الأعمال؛ للنص عليه في قوله (تعالى): ((وَيَذْكُرُوااسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْبَهِيمَةِ الأَنْعَامِ)) [الحج: 28] قال ابن عباس: أيام العشر(10)، أي:يحمدونه ويشكرونه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، ويدخل فيه: التكبيروالتسمية على الأضحية والهدي(11)، ولقوله: (فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد).

السادس: التكبير:
يسن إظهار التكبير في المساجد والمنازل والطرقات والأسواق، وغيرها، يجهر به الرجال، وتسر به المرأة، إعلاناً بتعظيم الله (تعالى).
وأماصيغة التكبير فلم يثبت فيها شيء مرفوع، وأصح ما ورد فيه: قول سلمان:(كبروا الله: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً). وهناك صيغ وصفات أخرى واردة عن الصحابة والتابعين(12). والتكبيرصار عند بعض الناس من السنن المهجورة، وهي فرصة لكسب الأجر بإحياء هذهالسنة، قال : (من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي، فإن له من الأجر مثل منعمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً)(13). وقد ثبت أن ابن عمر وأباهريرة كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران ويكبر الناسبتكبيرهما(14). والمراد: يتذكر الناس التكبير، فيكبرون بسبب تكبيرهما،والله أعلم.
والتكبيرالجماعي بصوت واحد متوافق، أو تكبير شخص ترد خلفه مجموعة: من البدع التيينبغي على المسلم الحريص على اتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-اجتنابها والبعد عنها، أما الجاهل بصفة التكبير فيجوز تلقينه حتى يتعلم،فإن قيل: إن التكبير الجماعي سبب لإحياء هذه السنة، فإنه يجاب عليه: بأنالجهر بالتكبير إحياء للسنة، دون أن يكون جماعيًّا، ومن أراد فعل السنة،فإنه لا ينتظر فعل الناس لها، بل يكون أول الناس مبادرة إليها، ليقتدي به غيره.

السابع: الصيام:
عن حفصة (رضي الله عنها) قالت: (أربع لم يكن يدعهن النبي -صلى الله عليهوسلم-: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة)(15). والمقصود: صيام التسع أو بعضها؛ لأن العيد لا يصام، وأما مااشتهر عند العوام ولا سيما النساء من صيام ثلاث الحجة، يقصدون بها اليومالسابع والثامن والتاسع، فهذا التخصيص لا أصل له.
 
الثامن:  الأضحية:
وهيسنة مؤكدة في حق الموسر، وقال بعضهم كابن تيمية بوجوبها(16)، وقد أمر اللهبها نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فقال: ((فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ))[الكوثر: 2] فيدخل في الآية صلاة العيد، ونحر الأضاحي، فقد كان النبي -صلىالله عليه وسلم- يحافظ عليها، قال ابن عمر (رضي الله عنهما): أقام النبي-صلى الله عليه وسلم- بالمدينة عشر سنين يضحي(17).  

التاسع: صلاة العيد:
وهي متأكدة جدًّا، والقول بوجوبها قوي(18) فينبغي حضورها، وسماع الخطبة، وتدبر الحكمة من شرعية هذا العيد، وأنه يوم شكر وعمل صالح.

يوم عرفة: 

وقد زاد هذا اليوم فضلاً ومزية على غيره، فاستحق أن يخص بحديث مستقل يكشف عن أوجه تفضيله وتشريفه، ومن تلك الأوجه ما يلي:

أولا:
روىالبخاري(19): قالت اليهود لعمر: إنكم تقرؤون آية، لو نزلت فينا لاتخذناهاعيداً، فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت، وأين أنزلت، وأين كان رسول اللهحين أنزلت: يوم عرفة، إنا والله بعرفة، قال سفيان: وأشك كان يوم الجمعة أملا: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْنِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً)) [المائدة: 3]. وإكمالالدين في ذلك اليوم حصل؛ لأن المسلمين لم يكونوا حجوا حجة الإسلام من قبل،فكمل بذلك دينهم لاستكمالهم عمل أركان الإسلام كلها، ولأن الله أعاد الحجعلى قواعد إبراهيم (عليه السلام)، ونفى الشرك وأهله، فلم يختلط بالمسلمينفي ذلك الموقف منهم أحد. وأما إتمام النعمة فإنما حصل بالمغفرة، فلا تتمالنعمة بدونها، كما قال الله لنبيه: ((لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَاتَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُعَلَيْكَ))[الفتح: 2](20).
 
ثانياً: أنه يوم عيد:
عن أبي أمامة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب)(21).

ثالثاً: أن صيامه يكفر سنتين:
قال عن صيامه: (يكفر السنة الماضية والباقية)(22). رابعاً: أنه يوم مغفرة الذنوب، والعتق من النار: عنعائشة (رضي الله عنها) أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما من يومأكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثميباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟)(23) قال ابن عبد البر: (وهويدل على أنهم مغفور لهم؛ لأنه لا يباهي بأهل الخطايا والذنوب، إلا بعدالتوبة والغفران، والله أعلم)(24).
 
الأعمال المشروعة فيه:
 
أولاً: صيام ذلك اليوم:
ففي صحيح مسلم قال: (...صيام يوم عرفة أَحْتَسِبُ على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده...)(25).وصومه إنما شرع لغير الحاج، أما الحاج فلا يجوز له ذلك. ويتأكد حفظالجوارح عن المحرمات في ذلك اليوم، كما في حديث ابن عباس، وفيه: (إن هذااليوم من مَلَك فيه سمعه وبصره ولسانه: غُفر له)(26). ولا يخفى أن حفظالجوارح فيه حفظ لصيام الصائم، وحج الحاج، فاجتمعت عدة أسباب معينة علىالطاعة وترك المعصية.
 
ثانياً: الإكثار من الذكر والدعاء:
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:(خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أناوالنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد،وهو على كل شيء قدير)(27)، قال ابن عبد البر: (وفي الحديث دليل على أندعاء يوم عرفة مجاب في الأغلب، وأن أفضل الذكر: لا إله إلا الله)(28). قالالخطابي: (معناه: أكثر ما أفتتح به دعائي وأقدمه أمامه من ثنائي على الله(عز وجل)، وذلك أن الداعي يفتتح دعاءه بالثناء على الله (سبحانه وتعالى)،ويقدمه أمام مسألته، فسمي الثناء دعاء...)(29).
 
ثالثاً: التكبير: 
سبقفي بيان وظائف العشر أن التكبير فيها مستحب كل وقت، في كل مكان يجوز فيهذكر الله (تعالى). وكلام العلماء فيه يدل على أن التكبير نوعان: الأول: التكبير المطلق: وهو المشروع في كل وقت من ليل أو نهار، ويبدأ بدخول شهر ذي الحجة، ويستمر إلى آخر أيام التشريق. الثاني:التكبير المقيد: وهو الذي يكون عقب الصلوات، والمختار: أنه عقب كل صلاة،أيًّا كانت، وأنه يبدأ من صبح عرفة إلى آخر أيام التشريق(30). وخلاصة القول: أن التكبير يوم عرفة والعيد، وأيام التشريق يشرع في كل وقت وهو المطلق، ويشرع عقب كل صلاة وهو المقيد.
يوم النحر:
لهذا اليوم فضائل عديدة:

فهو يوم الحج الأكبر(31).
وهو أفضل أيام العام؛ لحديث: (إن أعظم الأيام عند الله (تبارك وتعالى): يوم النحر، ثم يوم القرّ)(32) وهو بذلك أفضل من عيد الفطر، ولكونه يجتمع فيه الصلاة والنحر، وهما أفضل من الصلاة والصدقة(33). وقداعتبرت الأعياد في الشعوب والأمم أيام لذة وانطلاق، وتحلل وإسراف، ولكن الإسلام صبغ العيدين بصبغة العبادة والخشوع إلى جانب الفسحة واللهوالمباح(34). وقد شرع في يوم النحر من الأعمال العظيمة كالصلاة، والتكبير، ونحر الهدي،والأضاحي، وبعض من مناسك الحج ما يجعله موسماً مباركاً للتقرب إلى الله(تعالى)، وطلب مرضاته، لا كما هو حال الكثير ممن جعله يوم لهو ولعب فحسب،إن لم يجعله يوم أشر وبطر، والعياذ بالله.
 
أيام التشريق: 

وهي الأيام الثلاثة التالية ليوم النحر(35)، وهي التي عناها الله (تعالى) بقوله: ((وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍمَّعْدُودَاتٍ))[البقرة: 203]، كما جاء عن ابن عباس(36)، وذكر القرطبي أنهلا خلاف في كونها أيام التشريق(37). وهي أيام عيد للمسلمين؛ لحديث: (يومعرفة، ويوم النحر، وأيام منى: عيدنا أهل الإسلام)(38). وقد نهي عن صيامها،وهي واقعة بعد العشر الفاضلة، فتشرف بالمجاورة أيضاً، وتشترك معها بوقوعبعض أعمال الحج فيها، ويدخل فيها يوم النحر، فيعظم شرفها وفضلها بذلككله(39). كما أن ثانيها وهو يوم القر، وهو الحادي عشر أفضل الأيام بعد يومالنحر، وهذه الأيام الأربعة هي أيام نحر الهدي والأضاحي على الراجح منأقوال أهل العلم؛ تعظيماً لله (تعالى)، وهذا مما يزيدها فضلاً، وهذهالأيام من أيام العبادة والذكر والفرح، قال فيها النبي -صلى الله عليهوسلم- : (أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر لله)(40)، فهي أيام إظهارالفرح والسرور بنعم الله العظيمة، وفي الحديث إشارة إلى الاستعانة بالأكلوالشرب على ذكر الله، وهذا من شكر النعم(41).
وذكر الله المأمور به في الحديث أنواع متعددة منها: 
1-التكبير فيها: عقب الصلوات، وفي كل وقت، مطلقاً ومقيداً، كما هو ظاهر الآية، وبه يتحقق كونها أيام ذكر لله(42).
2- ذكر الله (تعالى) بالتسمية والتكبير عند نحر الهدي والأضاحي.
3- ذكره عند الأكل والشرب، وكذا أذكار الأحوال الأخرى.
4- التكبير عند رمي الجمار.
5- ذكر الله (تعالى) المطلق(43). 
هذه ذكرى، أسأل الله أن ينفع بها، وأعوذ بالله من أن يكون أهل البدع أجلد فيبدعهم، وأنشط في باطلهم، من أهل الحق في فعل الخير والاستقامة على السنة.

كاتب المقال: عبد الحكيم بن محمد بلال 

ترتيب ونشر: إبراهيم إهدى 
******************
الهوامش :
(1) انظر: (مجالس عشر ذي الحجة) للشيخ / عبد الله بن صالح الفوزان.
(2)تفسير ابن كثير، جـ4 ص505. 
(3)أخرجه البخاري، ح/969، و الترمذي، ح/757، واللفظ له.
(4) أخرجه أحمد، جـ2ص75، 132، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
(5)فتح الباري، جـ2ص534.
(6)نظر: المصدر السابق. 
(7)انظر: مدارج السالكين، جـ1 ص316، 317.
(8)أخرجه البخاري، ح/6502.
(9)فتح الباري، جـ11 ص351. 
(10)صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق.
(11)انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية، جـ24 ص225. 
(12)فتح الباري، جـ2 ص536، وقال الحافظ: (وقد أحدث في هذا الزمان زيادة لا أصل لها).
(13)أخرجه ابن ماجة، ح/209، وانظر: صحيح سنن ابن ماجة، ح/173.
(14)البخاري، كتاب العيدين، باب العمل في أيام التشريق.
(15)انظر: المسند، جـ6 ص287.
(16)انظر: مجموع الفتاوى، جـ23 ص162، 164. 
(17)المسند، جـ2 ص38، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، والترمذي، ح/1559، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي، ح/261. 
(18)انظر: الفتاوى، جـ23 ص161.
(19)ح/4606. 
(20)انظر: لطائف المعارف، ص486،487. 
(21)رواه أبو داود، ح/2419، وانظر صحيح سنن أبي داود، ح/2144. 
(22)أخرجه مسلم، ح/1163. 
(23)أخرجه مسلم، ح/1348.
(24)انظر: التمهيد لابن عبد البر، ج1ص120. 
(25)مسلم، ح/1162. 
(26)المسند، ج1ص329، وصحح أحمد شاكر إسناده، ح/3042. 
(27)الترمذي، ح/2837، ومالك، ج1ص422، ح/246، وصححه الألباني.
(28)التمهيد،ج6ص41.
(29)مجالس عشر ذي الحجة، لعبد الله الفوزان، ص970. 
(30)انظر: الفتح، ج2ص535، والفتاوى ج24ص220.
(31)سن أبي داود، ح/1945، وانظر: صحيح سنن أبي داود، ح/1714، والبخاري، ح/4657 تعليقا.
(32)سننأبي داود، ح/1765، وانظر: صحيح سنن أبي داود، ح/1552، ويوم القر هو: اليومالذي يلي يوم النحر ، سمي بذلك لأن الناس يقرون فيه بمنى.
(33)لطائف المعارف، ص482، 483. 
(34)انظر: الأركان الأربعة، ص60.
(35)وسميت أيام التشريق؛ لأن الناس يشرقون فيها لحوم الهدي والأضاحي، أي: يقددونها وينشرونها في الشمس. 
(36)البخاري تعليقا، وله إسناد صحيح ، الفتح ج2ص530. 
(37)تفسير القرطبي، ج3ص3.
(38)أخرجه أبو داود، ح/2419، وانظر صحيح سنن أبي داود، ح/2114.
(39)انظر: فتح الباري، ج2ص532، 533.
(40)أخرجه مسلم، ح/1141. 
(41)انظر: لطائف المعارف، ص504. 
(42)انظر: نيل الأوطار، ج3ص389. 
(43)انظر: لطائف المعارف، ص501، 502.
...تابع القراءة